السيد كمال الحيدري

27

معرفة الله

لتفيض على قلبه فتطربه النشوة وتُسكره اللذّة فيصير محواً بعد صحو ثمّ صحواً بعد محو . من هنا يتّضح لكلّ منّا ما نحن فيه ، وفي أيّ دائرة ندور ، وفي أيّ بحر نعوم . فشتّان بين مَن يعوم في ظلمات مقهورة مأسورة وبين من يعوم في أنوار وسبحات قُدس قاهرة مطلقة معمورة ؛ قال الله تعالى : بَلِ الإنسَانُ عَلَى نَفْسِهِ بَصِيرَةٌ « 1 » وقال سبحانه : قُلْ كُلٌّ يَعْمَلُ عَلَى شَاكِلَتِهِ فَرَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِمَنْ هُوَ أَهْدَى سَبِيلًا « 2 » . وهكذا يجد الإنسان نفسه مُنساقاً نحو ما يُحبّ ؛ تلمّساً للّذّة التي يوفّرها محبوبه ، وفي ذلك كماله بحسب فهمه وإدراكه . فإذا ما وجد الإنسان كماله في اللذّات الحسّية دون ما سواها ، فإنّه يتعسّر عليه فهم وإدراك ما تحمله الأُمور الأُخرى من كمالات وتقدّمها على ما هو حاصل عليه . فالصبيان يجدون الكمال في ممارسة ألعاب الكرة . فإذا ما حدّثتهم عن لذّة أعظم وكمال أفضل يمنحه الزواج أو طلب العلم فإنّهم لا يعيرونك آذاناً صاغية ، وهكذا فيمن توقّف على الملذّات والكمالات الباطنية فإنّه يصعب بل يعسُر عليه فهم اللذّة القصوى التي تمنحها المعارف الإلهية . يقول صاحب « المحجّة البيضاء » : « فأمّا معنى كون معرفة الله وصفاته وملكوت سماواته وأسرار ملكه أعظم لذّة من الرئاسة فهذا يختصّ بمعرفته من نال رتبة المعرفة وذاقها ، ولا يمكن إثبات ذلك عند من لا قلب

--> ( 1 ) القيامة : 14 . ( 2 ) الإسراء : 84 .